القائمة الرئيسية

الصفحات

تعانق الأوجه.. بين "ماكيت القاهرة" وماكيت المعنى عند طارق إمام


محمد أسامة


في الإنسان رغبة صغيرة منذ الأزل، رغم خفوتها وسط قريناتها الطبيعية، والتي تتشابه مع سائر الكائنات كالجوع والعطش والرغبة الجنسية، إلا أنها - بالنسبة لذات الإنسان - تعطيه مكانة كبرى وتضفي أهمية لوجوده، رغبة شديدة الصلة بما حوله، تدفعه ليبني معها علاقات متشعبة تكون منبعا للحضارات وأساسها، وهي - في رأيي - متوازية مع الرغبات الأخرى. وكما أن لا سبب دون مسبب، فلا حركة دون رغبة تشحنه على الفعل ذاته.


أما عن تلك العلاقة فأساسها من جهة شيء مبهم نقي بصفاته وخواصه سواء كان مجسما كالكائنات أو محسوسا كالشعور، ومن جهة شخص يتمثل أمامه ذلك الشيء، ومن مشاعر الخوف والفراغ يكبر هذا الشيء في عينه، وبالتالي تكبر تلك الرغبة، فيدور حوله محاولا فهمه وترجمته إلى أشياء أولية بسيطة بالنسبة إليه، كاكتشاف النار مثلا، أو ربطه بشعور معين ثابت كربط معرفة قابيل بطريقة دفن أخيه بالحسرة. ومن امتزاج الأساسين يولد من بينهما المعنى، والذي أصله مشتق من فعل "عَنيَ" والتي تنقسم تحتها تفسيرات مختلفة قليلا، لكن أقربها معنى أهَم والتي ترمي إلى نظرة الإنسان تجاه الشيء سواء كانت نظرة جامدة أو حالمة أو معقدة تمزج بين الثبات والتحليق ثم معنى قصد وأراد والتي تشير إلى طبيعة العلاقة ذاتها التي تربط بينهما، ومنه نرى للمسمى الواحد- رغم ثباته- معانٍ لا حصر لها، بل تصل للمعنى الواحد فنرى أوجه متعددة تحاول تأويل المعنى نفسه وتفسير تلك العلاقة، ومنه بالانتقال لموضوعنا أجاد عدد كبير من الكتاب بالتوازي مع طرح الأفكار الخاصة بهم بإيضاح تلك المعادلة. 


لكن ما أعجبني في أعمال الكاتب طارق إمام، هو أنها إذا اصطفت بجانب بعضها تنقل صورة تجمع بين الإجمال والتفصيل للمدينة بفلسفتها وروحها "ماكيت مصغر"، صنع أيضا ماكيتا آخر، لكن من تصورات المعاني وأوجهها، فترى الشخصية الواحدة تخرج الشيء الثابت بنظرات مختلفة، كالجمع بين شعور القطة تجاه الموت ونظرتها أمامه. فتمثل تلك الصورة واقع الإنسان ومنبع صراعه وأصل وجوده. غير أنها إن أردنا عرضها فإنها تمثل للبعض فلسفة معجزة يكون حلها بالتركيز على فكرة ونظرة معينة، وإلباسها شخصية، وإعطاء الفكرة المعاكسة لشخصية أخرى. فمنه يكون الصراع أكثر منطقية.


 الوجه الأول: حول التشكيل والصياغة 


 ❞وسألت نفسها ما اللذة؟ وفكرت لماذا حين تُفكر في اللذة تشعر بقرب الموت. ثم عادت لتؤكد: لا.. ليس الموت على وجه الدقة، بل الخواء. ها هي تتقلب شيء ما يجعلها تتآكل وتذوب، ولم تكن بعد عرفت اللذة التي تخلف النسل، ولا اللذة التي يعقبها العدم❝. 


 نرى من خلال روايات وقصص طارق إمام التي نقلت في رأيي روح المدينة مثل (هدوء القتلة، وضريح أبي، والأرملة التي تكتب الخطابات سرا، ومدينة الحوائط اللانهائية ومجموعة حكاية رجل عجوز)، تجلي مذهب مفصلي في أسلوب الكاتب متوازيا مع ما تكشفه المدينة وتصويرها بإجمال ما فيها، كما في رواية "ماكيت القاهرة". ونفهم من خلال حوار شخصية "أوريجا" مع "المسز" عن التفرد واختزال المباني المكررة في شيء واحد، ذلك المذهب وقياسه على رواياته المذكورة، نستنتج منه رغبته تجاه الأشياء المتناثرة أمامه، الثابت معانيها بحكم الواقع على وجه واحد، ثم تصوره إياها.


فكما نرى في الاقتباس، المأخوذ من رواية "شريعة القطة"، يبسط الكاتب تلك المعاني إما على شكل صورة يهذب منها التفسيرات الثابتة والمكررة عبر الزمن، كاللذة وصراع شعور الاغتراب والأمومة للقطة، فنعود مع الكاتب للصورة الطبيعية الأولى المطمورة وسط ركام الزمن، كما أعادنا الكاتب لزمن بداية الخلق في رواية شريعة القطة، فنستعيد معنى الشعور وجدواه ومنه تتجدد الدهشة الأولى النقية العابثة، دهشة سوسن العجوز في رواية هدوء القتلة التي انتهت حين أدركت العجوز تفسير ما بها وماتت.


أو أنه يصنع صورة جديدة، متمردا على الأصل حين لا يجد من الأصل دهشة، فيعيد تركيب المعنى بما يريد ووفق تصوره، فأسكب شخصية ملك "من رواية الأرملة تكتب الخطابات سرا " في تعديلها لخطابات الطالبات الركيكة، شيئا من ذاته في التعديل والبناء. فنجد تشكلا غريبا عن الموت ورحلة الحياة والشهوة في قصة كوليرا وحكاية شيخ البحر في رواية شريعة القطة. ومثله في الذكرى وألوانها في قصة "مدخل صانع الصور". وكذلك تداخل الخطوط الزمنية بين الماضي والحاضر والمستقبل في رواية ماكيت القاهرة، فنحس شعورا جديدا بتجريب سحري يشارك فيه الكاتب القارئ بصنع المقارنة بين الأصل وصياغة الكاتب فتتولد الرغبة متحدية الواقع ورتابته في فهم المعنى واستكشاف أوجهه المتشعبة. 


 الوجه الثاني: حبل شعوري


❞في قرارة نفسه أيقن أن الصباحَ لعنة من يستيقظون مبكرًا. وأن المساءَ وداعٌ ثقيلٌ غير أنه يليق بيقظة حبٍّ منسي، بأرصفةٍ تُبدِّل أماكنها.. وبأثرِ وردة❝

من قصة مدخل صانع الصور، من مجموعة حكاية رجل عجوز كلما حلم بمدينة مات فيها.


لم يأتِ الكاتب بالرغبة في التجريب لأجل إعادة التشكيل والتمرد على المعنى أو البحث عن منبعه الأول فحسب، بل أضاف إلى جواره بعض من المشاعر القوية المحتفظة ببعض نقاوتها. وثّق بها شخصيات أعماله ليتركهم في رحلة استكشاف لحقيقتهم. فتدور في فلك وحيد حينا ملتفة حول الشخصية كشعور الألم للقطة ناحية اللذة والغرابة من ذيلها في رواية شريعة القطة، وشعور الرجل العجوز تجاه الموت والحياة ذات الحوائط اللانهائية في قصة حكاية رجل عجوز. أو تدور في أفلاك متعددة لتكون ضفيرة ممتزجة بمشاعر عدة كما رأينا من "أوريجا" من محنة الفقد والذنب، و"نود" من الرغبة في الثورة والتمرد والتماهي مع الخيال، و"بيلياردو" من الحذر الشديد، في رواية ماكيت القاهرة. 


وتتكامل تلك الأحاسيس والمشاعر مع تلك المعاني المركبة أو الأصلية، بحيث ترى لوحة شديدة الوضوح، مثل شهوة الصيادين لأن يموتوا على يد وحش البحر في رواية "شريعة القطة "، أو في عماء البطل في قصة عينا رجل أعمى. لنخلص من ذلك أن أسلوب الكاتب لا ينتهي بل لا يبدأ في نقطة معينة، إن هي إلا حلقة مغلقة باحتمالات لا نهائية. حين تبدأ الرغبة في الاستكشاف يتولد تصور جديد للمعنى، وحين تتكون الصورة الجديدة تدور الشخصيات بمشاعرها لتصنعها وتضع بصمتها فيها. والعكس، حين تدور الشخصيات تولد نفسها رغبة إما تتفق مع رغبة الكاتب في تصور المعنى فتصنع صورة مركبة لا يكاد يرى فيها الأصل، أو تختلف فنرى صراعا حيا كتطاير الأوراق في قصة كفافيس. وهكذا ينشأ التفرد.


سياج محكم: عن الواقع المحيط 


❞لم أندهش، وأنا ألهث بالكاميرا خلف كل ذلك؛ لأنني صرت أرى المدينة التي أعرفها. أنا المُصوِّر الفوتوغرافي العجوز الذي لم يعد يجد ما يفعله. وفي ركن بعيد، على دكةٍ خشبية قبالة الكورنيش، تظللها شجرة كافور ضخمة. وجدت حبيبتي جالسة❝

من قصة لأنه لم يعد يندهش


يكمن السر في قوة تلك الرغبة والعلاقة بين المعنى وتركيبه في فكرة التركيز على معاناة الأبطال، تركيز يعزلهم عن واقعهم، إلا من نافذة تطرح التساؤلات، كما الطالبات ومشاهد الشوارع والجنازات لملك في رواية الأرملة تكتب الخطابات سرا.


فتلك العزلة وضعها الكاتب بتلك الطريقة في رأيي لسببين: أولهما أن الكاتب يحمي شخصياتهم من الانغماس في الواقع فلا يتشربوا صورته. ثانيهما لأنه يريد، كما ذكرنا، خلق الصراع إن لزم، لأنه مشارك في تمام المعنى على صورته الجديدة، فيكون من كلمات مثل "ما هي خواجاية" أو "الدم بيحن"، أو حتى مجرد صور شخصيات في قصة مدخل صانع الصور، أساسا لجدلية النور والعتمة في القصة، أو تحويلة بسيطة كما في الرواية فتتكشف الحقيقة ويتولد صراع جديد.

author-img
أنا إسلام وهبان، مؤسس مدونة "مكتبة وهبان" وقد أطلقتها لمحاولة استعادة دور المدونات الثقافية في نشر الوعي والتشجيع على القراءة ومتابعة كل ما يخص المشهد الثقافي والأدبي ومشاركة القراء اهتماماتهم وخبراتهم القرائية

تعليقات