القائمة الرئيسية

الصفحات



 يوسف الشريف


كلنا نعرف من هو طه حسين، وإذا سألت أي شخص يسير في الشارع سيقول لك إنه عميد الأدب العربي. وكلنا سواء المهتمين بالقراءة أو غير المهتمين يعرفون مدى الأثر الذي تركه عميد الأدب للمكتبة العربية. ولكن لماذا كتب طه حسين عميد الأدب كتاب "الفتنة الكبرى"؟ 


سؤال من ضمن أسئلة اقتحمت عقلي بعد انتهائي من قراءة هذا الكتاب. لماذا يقتحم طه حسين تلك الفترة التي يتجنب الناس لا التفكير فيها بل مجرد الحديث عنها؟ فدائما ينُظر لهذه المنطقة من التاريخ الإسلامي على أنها منطقة محرمة لا ينبغي الاقتراب منها. فكيف استطاع العميد كسر هذه الحواجز والأسوار التي وضعها الناس حول تلك الحقبة ليتحدث فيها ويحللها ويشرحها بكل هذا القدر من الحيادية والموضوعية؟


ولكن القارئ لمسيرة طه حسين الأدبية والفكرية سيشاهد أن طه حسين محارب مخضرم. نعم يحارب الجهل والمعتقدات الزائفة والخرافات التي صنعها الناس. وهذا المحارب خاض العديد من المعارك الشرسة ولا شك أن أهم هذه المعارك هي المعركة التي دارت عام 1927 حول كتاب "في الشعر الجاهلي". 


نرشح لك: التنوير وقضايا الوطن العربي في سينما يوسف شاهين


إن عبقرية طه حسين تتمثل في بصيرته التي تخطت أصحاب الأبصار، واستطاعت أن ترى الواقع والحقيقة. فقد أدرك عميد الأدب العربي الكثير من الحقائق منها أن آثار الفتنة الكبرى لم تنتهي ولم تختفي بعد مرور كل هذه السنوات. بل أن آثار هذه الحقبة تصل إلى زماننا نحن المعاصر. حيث الأفكار التي كانت سببا في حدوث الفتنة وما نتج من هذه المعارك من أشياء وصلت إلينا الآن. ولذلك ذكر تلميذه الدكتور محمود أمين العالم، في كتابه (مواقف نقديه من التراث) أن العودة إلى التراث يجب أن يكون هدفها الاستفادة منه في الحاضر. وفي نفس الكتاب يقول أمين العالم أن طه حسين كتب كل ما كتب من أجل همه بمشاكل الحاضر ومحاولة تغييره.


وفي الجزء الأول من الكتاب الذي كان عنوانه (عثمان) والذي تم إصداره عام 1947 يلخص لنا طه حسين ما جرى فيقول: "الشيء الذي لا يمكن أن يتعرض للشك هو أن المسلمين قد اختلفوا على عثمان، وأن هذا الاختلاف قد انتهى إلى ثورة قتل فيها عثمان، وأن هذه الثورة قد فرّقت المسلمين تفريقاً لم يجتمعوا بعده إلى الآن".





ويشرح طه حسين في هذا الجزء، كل الأسباب التي أدت لوقوع الفتنة من بداية استشهاد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ثم مبايعة المسلمين لعثمان املاً في الخروج من ضيق العيش الذي لاقوه من سياسة عمر. ثم انقلاب بعض المسلمون علي عثمان وسياسته التي انتهجها، فقد كانوا يريدون منه أن يعالج الأزمات التي تواجه الأمة ويتعامل معها كما تعامل معها من سبقوه وهم الشيخان أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما.  ويقول طه حسين إن من الأسباب التي دفعت إلى خلق هذا الاختلاف هو الفتوحات التي قام بها المسلمون في مختلف الأمصار. فبعض الناس ومنهم الشباب لاقوا هذه الفتوحات على حد قول طه حسين ببعض من الطمع المختلط بالطموح. وفي باقي الجزء الأول يشرح لنا طه حسين كل الأحداث والوقائع المحيطة بتلك الفترة والتي انتهت بقتل عثمان بن عفان داخل بيته في مشهد قد تظنه خياليا من شدة ارتعاد قلبك وبدنك أثناء قراءته.


ويقول طه حسين لنا شارحا تلك الفترة الخطيرة والتي ترتب عليها حوادث جليلة: "ويخيل إليٌ أن المسلمين رضوا بخلافة عثمان ست سنين، ثم احتملوها أربع سنين. فلما جاوز عثمان بخلافته الأعوام العشرة جعل المسلمون يضيقون به ويستطيلون خلافته، يظهرون ذلك في شيء من الرفق أول الأمر، ثم في شيء من الحدة بعد ذلك، ثم في عنف جعل يتزايد شيئاً فشيئاً حتى انتهى إلى غايته المنكرة وهي قتل الإمام".


أما الجزء الثاني من الكتاب والذي جاء بعنوان (علي وبنوه) والصادر عام 1953، أي بعد حوالي ست سنوات من صدور الجزء الأول. بدأ طه حسين الكتاب بالحديث عن مبايعة المسلمين لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه كخليفة لهم. ولكن بعد فترة قصيرة قد تظن أن فيها انتهى كل شيء. عادت الأزمات تواجه الإمام الجديد خليفة المسلمين فيقول طه حسين: "ولكن ستة أشهر لم تمض على خلافة علىّ حتى جرت دماء المسلمين غزارًا بأيدي المسلمين وأصبح بأسهم بينهم شديدا... وكان ذلك ابتداء مشئومًا لخلافة كان يُرجى أن تكون كلها بركة ويُمنًا للمسلمين".





ثم يشرح لنا العميد الأسباب التي كانت سببا لنشوب وعودة الأزمات مجدداً فيقول:

"ولم يستقبل المسلمون خلافة عليّ بمثل ما استقبلوا به خلافة عثمان مِن رضى النفوس وابتهاج القلوب واطمئنان الضمائر واتساع الأمل وانبساط الرجاء، وإنما استقبلوا خلافته في كثير من الوجوم والقلق والإشفاق واضطراب النفوس واختلاط الأمر، لا لأن عليّاً كان خليقاً أن يُثير في نفوسهم وقلوبهم شيئاً من هذا، بل لأن ظروف حياتهم قد اضطرتهم إلى هذا كله اضطراراً. فقد نهض عثمان بالأمر بعد خليفة قويّ شديد صعب المراس أرهقهم من أمرهم عُسْراً بما كان يسلك بهم إلى العدل من طريق وَعْرة خشنة لا يصبر على سلوكها إلاّ أولو العزم وأصحاب الجلد من الناس. وقد صوّرنا لك فيما مضى من هذا الكتاب شدة عمرَ على المسلمين عامة في ذات الله، وقسوته على قريش خاصة، يخاف عليهم الفتنة ويخاف منهم الفتنة أيضاً. فلما نهض عثمان بأمر الناس أعطاهم لِيناً بعد شدة وإسماحاً بعد عُنف وسعة بعد ضيق ورضاء بعد مشقّة وجهد؛ فزاد في أعطياتهم ويسّر لهم من أمرهم ما كان عسيراً حتى آثروه في أعوامه الأولى على عمر. وأقبل عليّ بعد مقتل عثمان فلم يوسع للناس في العطاء ولم يمنحهم النوافل من المال ولم ييسر لهم أمورهم، وإنما استأنف فيهم سيرةَ عمر من حيث انقطعت، ومضى بهم في طريقه من حيث وقف".


أي أن الناس من البداية بايعوا عثمان لأنه معروف باليسر في العيش بعد أن عانوا في فترة عمر من تلك السياسة التي اتخذت الزهد مبدأ لها املاً في تحقيق العدل. وقد رضي المسلمون في أوائل حكم عثمان بسياسته ولكن سريعا ما انقلبوا عليه لأسباب عديدة يشرحها لنا العميد باستفاضة داخل الكتاب لتنتهي فترة عثمان بقتله داخل بيته، ثم يبايع الناس علي ولكن بعد فترة قصيرة ينقلبون عليه هو الآخر لأنه قد عاد بهم إلي سياسة الزهد والتقشف والضيق التي ساروا عليها مع عمر بن الخطاب.


وخلاصة الكتاب والتي من الممكن أن نعتبرها الدوافع التي كتب العميد هذا الكتاب من أجلها. هو كيف من الممكن أن تتلاعب الأهواء والمطامع الدنيوية السياسة ببعض الأشخاص وتكون هي الدافع الرئيسي والمحرك لهم. وكيف يلبس هؤلاء الحق بالباطل باسم الدين. والدين بالطبع منهم برئ. 


ويقول طه حسين في ثنايا الكتاب:

"الابتسام للمال يُغْري بالاستزادة منه، والاستزادة منه تفتح أبواباً من الطمع لا سبيل إلى إغلاقها. وإذا وجد الطمع وجد معه زميله البَغْي، ووجد معه زميل آخر هو التنافس، ووجد معه زميل ثالث هو التباغض والتهالك على الدنيا. وإذا وجدت كل هذه الخصال وجد معها الحَسد الذي يحرق قلوب الذين لم يُتَح لهم من الثراء ما أتيح لأصحاب الثراء. وإذا وجد الحسد حاول الحاسدون إرضاءه على حساب المحسودين، وحاول المحسودون حماية أنفسهم، وكان الشر بين أولئك وهؤلاء وهذا كله هو الذي حدث أيام عثمان، وهو الذي دفع أهل الأمصار أن يثوروا بخليفتهم وأن يحاصروه وأن يقتلوه".


في النهاية. أقول إنني شعرت أن الدكتور الكبير طه حسين أثناء كتابته لهذا الكتاب لم يكتبه لكي نعرف ونعلم أن هذا كان على صواب وهذا على خطأ، أو أن هؤلاء كانوا يحاربون من أجل الدين وهؤلاء من أجل الدنيا. بل من أجل أن نعرف الحقيقة ونستفاد من هذا الماضي الذي قد يكون مؤلما. ونستغله ونطبقه على حاضرنا حتى نتجنب أخطاء الماضي في الحاضر أو المستقبل. وستشعر بأن طه حسين في كتابه يصرخ في وجوهنا من خلال قلمه ويقول. فلتحذروا.. فلتفكروا.. فلتعملوا العقل.


نرشح لك: حصريا.. قصة "موت حلو المذاق" بصوت أحمد القرملاوي



author-img
أنا إسلام وهبان، مؤسس مدونة "مكتبة وهبان" وقد أطلقتها لمحاولة استعادة دور المدونات الثقافية في نشر الوعي والتشجيع على القراءة ومتابعة كل ما يخص المشهد الثقافي والأدبي ومشاركة القراء اهتماماتهم وخبراتهم القرائية

تعليقات

تعليقان (2)
إرسال تعليق
  1. ممتاز جدا ��

    ردحذف
  2. المقال رائع
    كانوا يدافعون عن الأمور السياسية كأنها الدين وحدوده

    ردحذف

إرسال تعليق

شاركنا بتعليقك أو أرسل رسالة للكاتب